التفاصيل :
تفاصيل النسج :
قد يتسائل البعض عن مدى أهمية معرفة التفاصيل عند شراء سجادة تلبي إحتياجاته ، لكن في الصناعة التقليدية، تكمن القيمة الحقيقية في التفاصيل. السجاد التقليدي سواء كان واوزكيتيا أو غيره، يعتمد على الدقة الحرفية، جودة المواد، وأصالة التصميم، وهي عناصر قد يغفل عنها المشتري الغير ملم بعمليات التزوير ومحاولة تضخيم قيمة سجادة تفوق استحقاقها والتي تزدهر بسبب جهل المشترين بهذه التفاصيل، و التي يعتبرها البعض غير جوهرية. إن الصناعة التقليدية هي فن التفاصيل بامتياز ، وتجاهلها يعكس نقصا في الخبرة وقد يؤدي إلى اختيارات غير موفقة.
معرفة التفاصيل، من مصدر الصوف إلى طريقة النسج والأدوات المستخدمة، لن تعزز فقط قدرتك على اختيار سجادة أصلية، بل ستوسع فهمك للصناعة التقليدية ككل، مما يمكنك من إتخاد قرارات أكثر وعيا وحكمة في إقتناء الأعمال الحرفية.
من هي تازناخت :
تعد تازناخت الواقعة في إقليم ورزازات بالمغرب، نموذجا حيا للتلاقي الثقافي بين الصحراء والجبال، حيت يمنحها موقعها الإستراتيجي قيمة فريدة تجمع بين الثقافة الصحراوية والجبلية. تضم المنطقة خمس جماعات وتحتضن جبل سيروا، أكبر جبال المنطقة، الذي يلعب دورا محوريا في تربية الماشية، خاصة الأغنام التي تنتج صوفا عالي الجودة يعتبر من الأجود عالميا . هذا الصوف هو الركيزة الأساسية لصناعة السجاد اليدوي الذي يشكل القلب النابض لتازناخت، حيث تنتج المنطقة أنواع متعددة من السجاد المغربي الذي يحظى بإشعاع عالمي بفضل طابعه اليدوي الفريد. تازناخت تضم أكثر من 22 ألف نساجة. وهو رقم ضخم يعكس تفرد هذه الصناعة التي تقودها النساء، بالأخص المرأة الواوزكيتية. إن سجاد تازناخت ليس مجرد منتج حرفي، بل هو تعبير عن تاريخ وثقافة منطقة تجمع بين الجبال والصحراء، وجهود نسائها التي تبقي هذا التراث حيا في وجه كل التحديات المعاصرة.
معرفة عملية النسج التقليدية
تتميز عملية النسج التقليدية بخاصية أساسية تتعلق بطبيعة العمل اليدوي المتكامل في جميع مراحل الإنتاج. يمر النسج بثلاث مراحل رئيسية، يجب أن تكون كل واحدة منها يدوية بالكامل لضمان أصالة السجادة وطابعها التقليدي :
المرحلة الأولى : صناعة الخيوط الأساسية وهي الخيوط التي تشكل الهيكل الأساسي للسجاد (المعروفة بالسدى واللحمة) والتي تركب عليها الخيوط التشكيلية . يجب أن تصنع هذه الخيوط يدويا، لضمان التماسك والمتانة التقليدية للنسيج.
المرحلة الثانية : الخيوط التشكيلية : في هذه المرحلة يتم إعداد الخيوط التشكيلية، وهي الخيوط التي تستخدم لخلق الأنماط والزخارف على السجادة . يجب أن تصنع هذه الخيوط يدويا منذ البداية، بدءا من غزل الصوف أو المواد الخام الأخرى، دون الاعتماد على أي عملية آلية. هذا يضمن الحفاظ على الجودة التقليدية والملمس الفريد للخيوط.
المرحلة الثالثة التشكيل اليدوي للأنماط
في هذه المرحلة، يتم نسج الخيوط التشكيلية لتكوين التصاميم والرموز المميزة للسجادة. يجب أن يتم هذا التشكيل يدويا بالكامل، حيث تعتمد النساجة على مهاراتها الحرفية لربط العقد وتشكيل الأنماط بدقة. هذا العمل اليدوي هو ما يمنح السجادة طابعها الفريد.
من هي النساجة الحرة
النساجة الحرة:
مفتاح فهم السجاد التقليدي الأصيل
لاستكشاف عالم السجاد التقليدي الأصلي، يبرز مصطلح "النساجة الحرة" كمدخل أساسي لفهم هذا الفن العريق. النساجة الحرة ليست مجرد صانعة سجاد، بل هي حافظة تراث ومبدعة تجمع بين المهارة اليدوية والمعرفة الشاملة بكل خطوة في عملية الإنتاج، من تنقية الصوف وغزل الخيوط إلى الصباغة الطبيعية ونسج التصاميم التي تحمل هوية ثقافية عميقة. ترتبط هذه الحرفة بتاريخ طويل من الإتقان، لكنها تواجه تحديات الندرة في عصر الحداثة، حيث تقلّ نسبة هذا النوع من السجاد اليدوي عن 10% في مراكز الإنتاج العالمية كتركيا، إيران، القوقاز، وأفغانستان والمغرب. في هذا السياق، يأتي استكشاف النساجة الحرة ليسلط الضوء على جوهر السجاد التقليدي، كتحفة فنية تجسد الإبداع البشري والإرث الثقافي.
وعموما فقد قسمنا السجاد اليدوي في تازناخت إلى تلاثة أقسام رئيسية :
السجاد التقليدي الأصلي :
يتميز السجاد التقليدي الأصلي بجوهره العميق الذي ينبض بأصالة النساجة الحرة ، فهو بعيد كل البعد عن تأثيرات الحداثة والعولمة التي تسعى لتوحيد الأشكال والأنماط. يعد هذا السجاد النموذج المثالي للفن القديم، حيث يستمد قوته من ارتباطه الوثيق بالأرض والثقافة الامازيغية العريقة.
النساجة الحرة، بمهاراتها الشاملة في تنقية الصوف، غزل الخيوط، و الصباغة الطبيعية، تنسج قصصا ورموز تعكس هوية الأمازيغ، مستلهمة من الطبيعة والتراث. هذا الإرتباط العضوي بالأرض يجعل كل سجادة تحفة فريدة، تحمل في طياتها إرثا ثقافيا لا يتأثر بتقلبات العصر، بل يظل شاهدا على جمال الفن التقليدي وأصالته.
ينقسم السجاد الأمازيغي الأصيل إلى نوعين رئيسيين، يعكسان التراث الحرفي والثقافي العريق لهذا الفن :
السجاد البربري العتيق :
يتميز هذا النوع بفخامته و طابعه التاريخي، حيث يتجاوز عمره الثلاثين عاما. ينسج باستخدام الطرق القديمة التقليدية مما يمنحه قيمة تراثية و جمالية استثنائية، تعكس مهارة النساجات وأصالة التصميم.
السجاد البربري الأصيل :
ينتج هذا النوع بداعي الحفاظ على الإرث الثقافي الأمازيغي، حيت تسعى النساجة إلى إحياء التقاليد من خلال تصاميمها غالبا ما يصنع بأساليب قديمة لكنه أحدث نسبيا إذ لا يتجاوز عمره عشرين عاما، مما يجعله مزيجا بين الأصالة والمحافظة .
السجاد الشبه التقليد :
هو نتيجة التغيرات التي حصلت في الصناعة التقليدية بسبب الحداثة والعولمة. مع تطور وسائل الإنتاج ، مثل استخدام ادوات جديدة لتسريع العمل، ومع تقسيم العمل بين النساجات، ظهر هذا النمط الذي يجمع بين الأصالة والحداثة. تقسيم العمل يعني أن مجموعة من النساجات تجهز المواد ، بينما مجموعة أخرى تركز على النسج، مما يجعل العملية أسرع. السجاد الشبه التقليدي يحتفظ ببعض اللمسات الثقافية التقليدية ، مثل الأنماط البسيطة التي تظهر هوية المنطقة. لكنه يصنع بطريقة أكثر حداثة، على سبيل المثال، قد تستخدم أدوات حديثة لتجهيز الصوف أو غزل الخيوط ، لكن النسج نفسه يبقى يدويا . هذا النمط يظهر كيف حاولت النساجات التكيف مع التغيرات الجديدة دون ان يتخلين كليا عن تراثهم ، هو بمثابة جسر بين الماضي والحاضر ، يناسب العملاء الذين يريدون شيئا تقليديا لكنه يتمشى مع العصر.
ملاحظة :
نقصد بالأدوات الحديثة في النسج بالطريقة التقليدية، تلك الأدوات التي تساعد يد الحائك فقط في عملية النسج، وتبقى العملية يدوية في جوهرها. أما إذا تولّت الآلة جزءًا أساسيًا من العمل مثل غزل الخيوط أو نسج النسيج بنفسها، فهذه الطريقة لا تُسمَّى "شبه تقليدية"، بل تُسمى "شبه آلية".
السجاد اليدوي العصري :
يتميز السجاد العصري اليدوي بتنوعه و مرونته ، حيث ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسيين يعكسان التغيرات المعاصرة في هذه الحرفة التقليدية.
سجاد تحت الطلب :
وفيه يأخذ العميل دور المصمم، إذ يحدد التصميم وطريقة التصنيع حسب رغبته، بينما تكتفي النساجة بتنفيذ طلبه بدقة، كأن يطلب عميل اوروبي سجادة بألوان محايدة تتناسب مع ديكوره الحديث مصممة بالذكاء الإصطناعي أو الهاتف أو اليد فقط حيت تقوم النساجة بتحويله إلى سجادة يدوية.
الإبداعي :
يظهر جانبا مختلفا تماما، حيت تعبر النساجة عن نفسها بحرية دون التقيد بالتراث، فتنتج سجادة تعكس شخصيتها ورغبتها في التمرد على التقاليد، كأن تختار أنماطا تجريدية أو ألوانا غير مألوفة لبناء هوية خاصة بها. سواء كانت مستلهمة من المنطقة التي تعيش فيها أو من المناطق التي زارتها وتأثرت بثقافتها، كقصبة أيت بن حدو و الواحات و الجبال والمدن وغيرها.
هنا تتحرر النساجة من قيود المجتمع، مستخدمة النسيج كوسيلة للتعبير عن ذاتها، عواطفها، و تجاربها، بعيدا عن التوقعات التقليدية. بينما تركز السجادة التقليدية الأصلية على هوية المجتمع وعاداته الجماعية، فإن السجادة الإبداعية تضع شخصية النساجة في المقدمة، مما يجعلها منصة للإبداع الفردي. شهد هذا النوع من السجاد تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، مدفوعا بتأثر النساجات بالمبادئ الحداثية، حيت تسعى كل نساجة لإنتاج عمل يعكس هويتها الفريدة بدلا من التقيد برموز المجتمع. هذا التحول يبرز دور السجاد الإبداعي كأداة للتحرر الثقافي والفني، مجسدا صوت النساجة في عالم متغير .
سجاد إعادة التدوير (سجاد الخرق):
من أجمل ما أنتجه الحس الشعبي في إعادة التدوير هو «سجاد الخرق» أو «سجادة الخرقان» كما تسميه جداتنا. تأخذ المرأة الملابس القديمة التي لم يعد أحد يرتديها – قمصان بالية، فساتين مهترئة، حتى الجوارب المثقوبة – وتقصّها شرائح طويلة رفيعة، ثم تنسجها على النول البسيط أو حتى بيديها فقط، فتخرج سجادة سميكة متعددة الألوان، غير منتظمة الشكل أحيانًا، لكنها دافئة ومتينة بشكل مذهل.
لا تُوضع هذه السجادة في الصالة ولا أمام الضيوف أبدًا؛ فهي ليست للزينة ولا للمفاخرة. مكانها الطبيعي هو الأماكن «المتسخة»: أمام باب الحمام لتمسح قدميك من الماء، عند مدخل البيت لتلتقط التراب والطين الذي جئْتَ به من الشارع، أو حتى في المطبخ أمام الحوض. هي سجادة «وظيفتها أن تتسخ» حتى يبقى بقية البيت نظيفًا.
ورغم بساطتها، ففيها كرامة كبيرة: كرامة المرأة التي رفضت أن ترمي شيئًا قد ينتفع به، وكرامة البيت الفقير الذي حول القديم إلى جديد مفيد. لذلك كانت رائحتها – مزيجًا من الصابون القديم والتراب والذكريات – جزءًا لا ينفصل عن رائحة البيوت المصرية والشامية والمغربية القديمة. حتى اليوم، لو دخلت بيتًا ريفيًا أو شعبيًا حقيقيًا، ستجد واحدة منهن ملقاة أمام الباب… وستعرف فورًا أنك في منزل له قيمته .